وما خلدت رسالات النبيين وكونت حولها جماهير المؤمنين إلا لأن “النفس
الإنسانية” كانت موضوع عملها ومحور نشاطها ٬ فلم تكن تعاليمهم قشورا ملصقة
فتسقط فى مضطرب الحياة المتحركة ٬ ولا ألوانا مفتعلة ٬ تبهت على مر الأيام
كان
رسول الإسلام بين أصحابه مثلاً أعلى للخلق الذى يدعو إليه ٬ فهو يغرس بين
أصحابه هذا الخلق السامى ٬ بسيرته العاطرة ٬ قبل أن يغرسه بما يقول من حكم
وعظات.
لابد ليحصل التابع على قدر كبير من الفضل أن يكون فى متبوعه قدر أكبر ٬ وقسط أجل.
لن
تصلح تربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة ٬ فالرجل السيئ لا يترك فى
نفوس من حوله أثراً طيبا ٬ وإنما يتوقع الأثر الطيب ممن تمتد العيون إلى
شخصه ٬ فيروعها أدبه ٬ ويسبيها نبله ٬ وتقتبس بالإعجاب المحض من خلاله ٬
وتمشى بالمحبة الخالصة فى آثاره.
حسن
الخلق لا يؤسس فى المجتمع بالتعاليم المرسلة ٬ أو الأوامر والنواهى
المجردة ٬ إذ لا يكفى فى طبع النفوس على الفضائل أن يقول المعلم لغيره :
افعل كذا ٬ أو لا تفعل كذا . فالتأديب المثمر يحتاج إلى تربية طويلة ٬
ويتطلب تعهدا مستمرا.
لا
يمحق السيئات إلا الحسنات التى يضطلع بها الإنسان ٬ ويرقى صعدا ٬ إلى
مستوى أفضل ٬ وقد حرص النبى على توكيد هذه المبادئ العادلة ٬ حتى تتبينها
أمته جيدا ٬ فلا تهون لديها قيمة الخلق ٬ وترتفع قيمة الطقوس.
إن
هناك أديانا تبشر بأن اعتناق عقيدة ما ٬ يمحو الذنوب ٬ وأن أداء طاعة
معينة يمسح الخطايا ٬ لكن الإسلام لا يقول هذا ٬ إلا أن تكون العقيدة
المعتنقة محورا لعمل الخير ٬ وأداء الواجب ٬ وأن تكون الطاعة المقترحة غسلا
من السوء ٬ وإعدادا للكمال المنشود.
ليست الأخلاق من مواد الترف ٬ التى يمكن الاستغناء عنها ٬ بل هى أصول الحياة التى يرتضيها الدين ٬ ويحترم ذويها.
لابد
من إرشاد متصل ٬ ونصائح متتابعة ليرسخ فى الأفئدة والأفكار ٬ أن الإيمان
والصلاح والأخلاق ٬ عناصر متلازمة متماسكة ٬ لا يستطيع أحد تمزيق عراها.
بعض
المنتسبين إلى الدين ٬ قد يستسهلون أداء العبادات المطلوبة ويظهرون فى
المجتمع العام بالحرص على إقامتها وهم فى الوقت نفسه يرتكبون أعمالا يأباها
الخلق الكريم والإيمان الحق ٬ إن نبى الإسلام توعد هؤلاء الخالطين ٬ وحذر
أمته منهم ٬ ذلك أن التقليد فى أشكال العبادات يستطيعه من لم يُشرب رُوحها ٬
أو يرتفع لمستواها.
الإيمان القوى يلد الخلق القوى حتما ٬ وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان ٬ أو فقدانه ٬ بحسب تفاقم الشر أو تفاهته.
ضعف
الخُلق دليل على ضعف الإيمان ٬ الإيمان قوة عاصمة عن الدنيا ٬ دافعة إلى
المكرمات ومن ثم فإن الله عندما يدعو عباده إلى خير أو ينفرهم من شر ٬ يجعل
ذلك مقتضى الإيمان المستقر فى قلوبهم.
العبادات
التى شرعت فى الإسلام واعتبرت أركانا فى الإيمان به ليست طقوسا مبهمة من
النوع الذى يربط الإنسان بالغيوب المجهولة ٬ ويكلفه بأداء أعمال غامضة
وحركات لا معنى لها ٬ كلا فالفرائض التى ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه ٬
هى تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة ٬ وأن يظل مستمسكا
بهذه الأخلاق ٬ مهما تغيرت أمامه الظروف.
لقد
حدد رسول الإسلام الغاية الأولى من بعثته ٬ والمنهاج المبين فى دعوته
بقوله: “إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق “. فكأن الرسالة التى خطت مجراها
فى تاريخ الحياة ٬ وبذل صاحبها جهدا كبيرا فى مد شعاعها وجمع الناس حولها ٬
لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم ٬ وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم ٬ حتى
يسعوا إليها على بصيرة.
والإيمان الحق يجعل الرجل صلب العود , لا يميل مع كل ريح ولا ينحني مع كل خلة ,وإذا احصينا الرجال الذين لا يأخذهم الدهش أمام المفاجآت , عرفنا أن لهم من أنفسهم ما يهون عليهم أي مفقود وما يسليهم عن كل فائت , وبهذا الشعور يمكنهم أن يقتحموا كل حصار تضربه عليهم الليالي الكوالح
والإيمان الحق يجعل الرجل صلب العود , لا يميل مع كل ريح ولا ينحني مع كل خلة ,وإذا احصينا الرجال الذين لا يأخذهم الدهش أمام المفاجآت , عرفنا أن لهم من أنفسهم ما يهون عليهم أي مفقود وما يسليهم عن كل فائت , وبهذا الشعور يمكنهم أن يقتحموا كل حصار تضربه عليهم الليالي الكوالح







0 comments:
Post a Comment