Thursday, January 8, 2015

من اقوال الشيخ محمد الغزالي

وما خلدت رسالات النبيين وكونت حولها جماهير المؤمنين إلا لأن “النفس الإنسانية” كانت موضوع عملها ومحور نشاطها ٬ فلم تكن تعاليمهم قشورا ملصقة فتسقط فى مضطرب الحياة المتحركة ٬ ولا ألوانا مفتعلة ٬ تبهت على مر الأيام

كان رسول الإسلام بين أصحابه مثلاً أعلى للخلق الذى يدعو إليه ٬ فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامى ٬ بسيرته العاطرة ٬ قبل أن يغرسه بما يقول من حكم وعظات.

لابد ليحصل التابع على قدر كبير من الفضل أن يكون فى متبوعه قدر أكبر ٬ وقسط أجل.

لن تصلح تربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة ٬ فالرجل السيئ لا يترك فى نفوس من حوله أثراً طيبا ٬ وإنما يتوقع الأثر الطيب ممن تمتد العيون إلى شخصه ٬ فيروعها أدبه ٬ ويسبيها نبله ٬ وتقتبس بالإعجاب المحض من خلاله ٬ وتمشى بالمحبة الخالصة فى آثاره.

حسن الخلق لا يؤسس فى المجتمع بالتعاليم المرسلة ٬ أو الأوامر والنواهى المجردة ٬ إذ لا يكفى فى طبع النفوس على الفضائل أن يقول المعلم لغيره : افعل كذا ٬ أو لا تفعل كذا . فالتأديب المثمر يحتاج إلى تربية طويلة ٬ ويتطلب تعهدا مستمرا.

لا يمحق السيئات إلا الحسنات التى يضطلع بها الإنسان ٬ ويرقى صعدا ٬ إلى مستوى أفضل ٬ وقد حرص النبى على توكيد هذه المبادئ العادلة ٬ حتى تتبينها أمته جيدا ٬ فلا تهون لديها قيمة الخلق ٬ وترتفع قيمة الطقوس.

إن هناك أديانا تبشر بأن اعتناق عقيدة ما ٬ يمحو الذنوب ٬ وأن أداء طاعة معينة يمسح الخطايا ٬ لكن الإسلام لا يقول هذا ٬ إلا أن تكون العقيدة المعتنقة محورا لعمل الخير ٬ وأداء الواجب ٬ وأن تكون الطاعة المقترحة غسلا من السوء ٬ وإعدادا للكمال المنشود.

ليست الأخلاق من مواد الترف ٬ التى يمكن الاستغناء عنها ٬ بل هى أصول الحياة التى يرتضيها الدين ٬ ويحترم ذويها.

لابد من إرشاد متصل ٬ ونصائح متتابعة ليرسخ فى الأفئدة والأفكار ٬ أن الإيمان والصلاح والأخلاق ٬ عناصر متلازمة متماسكة ٬ لا يستطيع أحد تمزيق عراها.

بعض المنتسبين إلى الدين ٬ قد يستسهلون أداء العبادات المطلوبة ويظهرون فى المجتمع العام بالحرص على إقامتها وهم فى الوقت نفسه يرتكبون أعمالا يأباها الخلق الكريم والإيمان الحق ٬ إن نبى الإسلام توعد هؤلاء الخالطين ٬ وحذر أمته منهم ٬ ذلك أن التقليد فى أشكال العبادات يستطيعه من لم يُشرب رُوحها ٬ أو يرتفع لمستواها.

الإيمان القوى يلد الخلق القوى حتما ٬ وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان ٬ أو فقدانه ٬ بحسب تفاقم الشر أو تفاهته.

ضعف الخُلق دليل على ضعف الإيمان ٬ الإيمان قوة عاصمة عن الدنيا ٬ دافعة إلى المكرمات ومن ثم فإن الله عندما يدعو عباده إلى خير أو ينفرهم من شر ٬ يجعل ذلك مقتضى الإيمان المستقر فى قلوبهم.

العبادات التى شرعت فى الإسلام واعتبرت أركانا فى الإيمان به ليست طقوسا مبهمة من النوع الذى يربط الإنسان بالغيوب المجهولة ٬ ويكلفه بأداء أعمال غامضة وحركات لا معنى لها ٬ كلا فالفرائض التى ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه ٬ هى تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة ٬ وأن يظل مستمسكا بهذه الأخلاق ٬ مهما تغيرت أمامه الظروف.

لقد حدد رسول الإسلام الغاية الأولى من بعثته ٬ والمنهاج المبين فى دعوته بقوله: “إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق “. فكأن الرسالة التى خطت مجراها فى تاريخ الحياة ٬ وبذل صاحبها جهدا كبيرا فى مد شعاعها وجمع الناس حولها ٬ لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم ٬ وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم ٬ حتى يسعوا إليها على بصيرة.

والإيمان الحق يجعل الرجل صلب العود , لا يميل مع كل ريح ولا ينحني مع كل خلة ,وإذا احصينا الرجال الذين لا يأخذهم الدهش أمام المفاجآت , عرفنا أن لهم من أنفسهم ما يهون عليهم أي مفقود وما يسليهم عن كل فائت , وبهذا الشعور يمكنهم أن يقتحموا كل حصار تضربه عليهم الليالي الكوالح

0 comments:

Post a Comment