محمد الغزالي : الاستبداد السياسى 2-3

ونحن نعرف أن بعض الناس لا يحسن التفكير العام ٬ وقد تضم إلى ذلك أنه لو ترك لكل امرئ الحق فى مناقشة ما يكلف به لتسربت الفوضى إلى شئون الحكومات والشعوب. وهذا حق ٬ ولكنه لا يصادم ما نحن بصدد تقريره ٬ أن هناك فرائض لا يجوز خدشها ومحرمات لا تمكن استباحتها .....

دفاع عن العربية

يُعد الشيخ من أبرز الدعاة المنافحين عن اللغة العربية في هذا العصر، فقد كان دائماً يصيح بحرقة: «اللغة العربية في خطر، أدركوها قبل فوات الأوان».(9) والخطر الذي يهدد اللغة العربية هو النتيجة الحتمية لتقاعس العرب عن أداء واجبهم تجاه لغتهم،

دراسته و عمله

حصل الغزالي على شهادة الثانوية الأزهرية عام 1937 ثم التحق بكلية أصول الدين في العام نفسه، تخرج منها سنة 1941 حيث تخصص بالدعوة والإرشاد. حصل على درجة العالمية سنة 1943 .....

شهادته في قضية فرج فودة و وفاته

اعتبر الغزالي الكاتب المصري فرج فودة "كافرا ومرتدا" ففي شهادة الشيخ محمد الغزالي في أثناء محاكمة القاتل أفتى بجواز "أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها..وإن كان هذا افتياتا على حق السلطة،..ولكن ليس عليه عقوبة، وهذا يعني أنه لا يجوز قتل من قتل فرج فودة" حسب تعبيره.....

Thursday, January 8, 2015

نشأت محمد الغزالي

ولد في قرية نكلا العنب، ايتاي البارود، محافظة البحيرة بمصر في (5 من ذي الحجة 1335 هـ/ 22 سبتمبر 1917 م).

نشأ في أسرة "متدينة", وله خمس اخوة, فأتم حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة, ويقول الإمام محمد الغزالي عن نفسه وقتئذ: “كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي، وأذكر أنني ختمته أثناء اعتقالي، فقد كان القرآن مؤنسا في تلك الوحدة الموحشة”. والتحق بعد ذلك بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي وظل بالمعهد حتى حصل منه على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانوية الأزهرية, ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة سنة (1356 هـ الموافق 1937م) والتحق بكلية أصول الدين بالأزهر، وبدأت كتاباته في مجلة (الإخوان المسلمين) أثناء دراسته بالسنة الثالثة في الكلية, بعد تعرفه على الإمام حسن البنّا مؤسس الجماعة، وظل الإمام يشجعه على الكتابة حتى تخرّج بعد أربع سنوات في سنة (1360 هـ == 1941 م) وتخصص بعدها في الدعوة والإرشاد حتى حصل على درجة العالمية سنة (1362 هـ == 1943م) وعمره ست وعشرون سنة, وبدأت بعدها رحلته في الدعوة من خلال مساجد القاهرة, وقد تلقى العلم عن الشيخ عبد العظيم الزرقاني, والشيخ محمود شلتوت, والشيخ محمد أبو زهرة والدكتور محمد يوسف موسى والشيخ محمد محمد المدني وغيرهم من علماء الأزهر.

سمي الشيخ "محمد الغزالي" بهذا الاسم رغبة من والده بالتيمن بالإمام الغزالي فلقد رأى في منامه الشيخ الغزالي وقال له "أنه سوف ينجب ولدا ونصحه أن يسميه على اسمه الغزالي فما كان من الأب إلا أن عمل بما رآه في منامه.[بحاجة لمصدر]

ببلوجرافيا كتب الشيخ محمد الغزالى

210/م.غ محمد الغزالى . من مقالات الشيخ الغزالى / جمع عبد الحميد حسن ، تقديم خالد جمال الطاهر . طبعة جديدة محققة .- القاهرة – نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 4 مج .

210.1 – كيف نفهم الإسلام / محمد الغزالى – ط3 – القاهرة – نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 166 ص .
هموم داعية / محمد الغزالى – ط6 – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2006 – 138 ص .

210.4 قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة / محمد الغزالى – القاهرة : دار الشروق ، (19) – 222 ص .

تأملات فى الدين والحياة / محمد الغزالى – ط4 ، جديدة و محققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 214 ص .

الحق المر / محمد الغزالى – ط4 – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 6مج .
فى مواكب الدعوة – محمد الغزالى – ط6 ، جديدة محققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 164 ص .

210.9 حقيقة القومية العربية وأسطورة البحث العربى / محمد الغزالى ط3 ، جديدة ومحققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 238 ص .
من معالم الحق فى كفاحنا الاسلامى الحديث / محمد الغزالى – ط4 ، جديدة ومحققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر 2005 – 221 ص .
211/م.غ دستور الوحدة الثقافية بين المسليمن / محمد الغزالى – القاهرة : دار الشروق ، 1997 .

علل وأدوية : دراسات فى أمراض أمتنا ... / محمد الغزالى – القاهرة : دار الشروق ، أيد (1985 ) – 235 ص

الجانب العاطفى من الأسلام : بحث فى الخلق والسلوك والتصرف / محمد الغزالى – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 264 ص .

حقوق الانسان بين تعاليم الاسلام وإعلان الأمم المتحدة – محمد الغازلى – ط 4 – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 228 ص .

خلق المسلم – محمد الغزالى – ط10 – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 214 ص .

213 الدعوة الاسلامية فى القرن الحالى – محمد الغزالى – القاهرة : دار الشروق ، أيد (1998) – 192 ص .

مستقبل الاسلام خارج أرضه : كيف نفكر فيه – محمد الغزالى – القاهرة : دار الشروق ، أيد (1997) – 104 ص .
ركائز الايمان بين العقل والقلب – محمد الغزالى – القاهرة : دار الشروق ، أيد (2001) – 275 ص .
الغزو الثقافى يمتد فى فراغنا – محمد الغزالى – القاهرة : دار الشروق ، أيد (1997) – 139 ص .
214.301 الاسلام والطاقات المعطلة – محمد الغزالى – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 176 ص .

الاسلام فى وجه الزحف الأحمر – محمد الغزالى – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر 2005 – 168 ص .

الاسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين – محمد الغزالى ط6 ، جديدة ومحققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة ، 2005 – 200ص .

الاسلام والاستبداد السياسى – محمد الغزالى ، مراجعة وتحقيق محمد خالد القعيد – ط6 ، جديدة ومحققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 216 ص .

الفساد السياسى فى المجتمعات العربية والاسلامية : أزمة شورى – محمد الغزالى – طبعة جديدة ومحققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 142 ص .

219 جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج – محمد الغزالى – طبعة جديدة ومحققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 141 ص .

الطريق من هنا – محمد الغزالى – القاهرة – دار الشروق ، أيد (1987) 136 ص .

من هنا نعلم ..! – محمد الغزالى – ط5 ، جديدة ومحققة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 198 ص .

219.3 جدد حياتك – محمد الغزالى – ط9 – القاهرة  : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 206 ص .

الاستعمار أحقاد وأطماع – محمد الغزالى – ط4 ، فريدة منقحة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005

حصاد الغزو - محمد الغزالى – القاهرة – دار الشروق ،( 199 )

سر تأخر العرب والمسلمين – محمد الغزالى – ط7 ، القاهرة ، نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 133 ص .

معركة المسحف فى العالم الإسلامى – محمد الغزالى – ط5 – القاهرة – نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 262 ص .

الاسلام والاوضاع الاقتصادية – محمد الغزالى – ط3 ، جديدة ومحققة – القاهرة – نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 150 ص .

الاسلام والمناهج الاشتراكية – محمد الغزالى – ط4 ، جديدة ومحققة – القاهرة – نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 222 ص .

كيف نتعامل مع القرآن – محمد الغزالى – ط7 ، جديدة ومحققة – القاهرة – نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 230 ص .

المحاور الخمسة للقرآن الكريم – محمد الغزالى – القاهرة : دار الشروق ، أيد (1990) .

نظرات فى القرأن – محمد الغزالى – ط6 ، جديدة ومنقحة ومراجعة – القاهرة – نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 232 ص .

فقة السيرة – محمد الغزالى ، إخراج محمد ناصر الدين الألبانى – القاهرة ، دار الشروق ، أيد (2000) .
فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء – محمد الغزالى – القاهرة ، دار الشروق ( ص-199) – 125 ص .

عقيدة المسلم – محمد الغزالى – ط4 ، مراجعة ومنقحة – القاهرة ، نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – 246 ص .

ليس من الأسلام – محمد الغزالى – ط6 القاهرة : دار الشروق ( هو1990) – 221 ص .

801 ظلام من الغرب – محمد الغزالى – ط4 ، جديدة ومنقحة – القاهرة : نهضة مصر للطباعة والنشر ، 2005 – ( هو-199 ) .

811.062 الحياة الاولى : ديوان شعر – محمد الغزالى ، حققه مصطفى الشكعة – القاهرة – دار الشروق ، أيد (1998) 167 ص .

خصائص أسلوبية متميزة

هذه وقفة سريعة للنظر في بعض خصائص الأسلوب عند الشيخ ـ رحمه الله ـ التي ميزت طريقته في التعبير عن قضايا الفكر الإسلامي المختلفة، وجعلت كتاباته لها مذاق خاص، وطابع فريد بين كتابات الدعاة في هذا العصر.
إن مما تنبغي الإشارة إليه أن الشيخ متأثر تأثراً كبيراً بأسلوب القرآن الكريم، فقد كان يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وكان يتحرى دائماً طرقه في دعوة الناس، ولقد كان ذلك سر جمال أسلوبه، ولطافة تعبيره.(15)
ومن الخصائص الأساسية المميزة لأسلوبه ما يلي
:
أولاً: الأسلوب الأدبي هو الأسلوب المفضل في كتابات الشيخ، فهو يفضل عرض الأفكار بلغة أدبية مؤثرة، فيها عناصر الإقناع والإمتاع، ويسير على هذه الطريقة في جل ما يكتب، ولا يستخدم الطريقة السردية المباشرة إلا نادراً، وذلك لشد عقول القراء وقلوبهم إلى الأفكار التي ينوي غرسها في النفوس.
ثانياً: يتميز أسلوبه بكثرة استخدام الصور الفنية، والأمثال المحسوسة، ذلك لتقريب الأفكار إلى النفوس، وعرضها في قوالب حية قريبة التناول، وواضح أن الشيخ قد استمد هذه الطريقة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية الشريفة.
ثالثاً: يمتاز أسلوبه أيضاً بالتنويع المشوق، فهو يلون حديثه ويكثر من الأساليب التي لها قدرة على التأثير كالاستفهام والتوكيد والتعجب، ويستخدم القصة استخداماً جيداً، وكثيراً ما يتمثل بحوادث من الواقع، لتكون أبلغ في التأثير، وأكثر التصاقاً بالقضايا المثارة في هذا العصر.
وبعد: فإن الشيخ «محمد الغزالي» ـ رحمه الله ـ مثال (نادر) للداعية المتخصص في هذا العصر، فقد جمع بين العلوم الشرعية والعلوم العصرية، واجتهد في تقديم الدعوة إلى الناس بلغة في الخطاب ممتعة، مما أكسبه احترام الناس، وبحق يمكن القول: إنه مثال فريد للداعية الذي وضع الأدب في خدمة الدعوة

دفاع عن العربية

يُعد الشيخ من أبرز الدعاة المنافحين عن اللغة العربية في هذا العصر، فقد كان دائماً يصيح بحرقة: «اللغة العربية في خطر، أدركوها قبل فوات الأوان».(9)
والخطر الذي يهدد اللغة العربية هو النتيجة الحتمية لتقاعس العرب عن أداء واجبهم تجاه لغتهم، وتنفيذهم لخطة الاستعمار الثقافي الساعية إلى إلغاء دورها الحضاري والفكري والثقافي، والقضاء على أداة التواصل بين الحاضر والماضي، الأداة الجامعة لهذا الشتات المتقطع للعاميات في الوطن العربي.
ويرى الشيخ أن اللغة العربية تهان الآن بوسائل مختلفة:
أولاً: بالروايات التمثيلية التي تحكي عبارات السوقة، والطبقات الجاهلة، فتحيي ألفاظاً كان يجب أن تموت مكانها، وتؤدي إلى سيادة اللهجات العامية بدل سيادة اللغة الجامعة، هذا إذا علمنا مدى الطاقات المادية والبشرية التي تهدر من أجل انتشار هذا النوع من الأدب العامي
.
ثانيا: بالحديث عن من هم أهلٌ للقدوة من الزعماء وغيرهم الذين يحلو لهم أن يتحدثوا بلغة تجمع بين الفصحى والعامية، ونحن ندرك جميعاً مدى التأثير السلبي الذي يعود على المخاطبين عند سماعهم لهذه اللغة المضطربة، ومن البديهيات أن زعماء الدول المتحضرة اليوم من أحرص الناس علي مخاطبة الجماهير بلغة راقية تجلب الاحترام، ويرى الشيخ أن دعاة العروبة في هذا العصر هم من أعجز الناس عن الحديث باللغة العربية.(10)
ثالثاً: وتهان العربية عند بعض أبناء المسلمين الذين يريدون الانقطاع عن الثقافة الإسلامية، ويرون أن الحضارة هي في تقليد الغربيين والحديث بلغتهم، والنظر إلى العربية على أنها لغة متخلفة لا تساير العصر.
رابعاً: وتهان أيضاً في مجال الأدب، حيث اختفى الأدب العربي الأصيل، وإذا وجدت كتابات بالحروف العربية فإنها وعاء لمعان مبتوتة الصلة بأصولنا الروحية والدينية.(11)
ونشير إلى أن الشيخ قد اقترح عدة مقترحات عملية لخدمة اللغة العربية في مجالات النحو والمعجم، ولكنها إلى الآن لم تجد آذانا صاغية

محمد الغزالي : الاستبداد السياسى3-3

إن بركات الطاعة العمياء لا آخر لها ٬ وأولها أنها تصدق فى أصحابها قول القائل: لا يبلغ الأعداء من جاهلٍ ما يبلغ الجاهل من نفسِهِ وحين كان الوعى السياسى يتطلع إلى مزيد من الحريات كان بعض الناس ضعاف الإحساس بمعنى الشورى ٬ وحق قيام الأحزاب ٬ فلم يشعروا بقيمة الدساتير الضابطة إلا بعد فوات الأوان. وأستطيع أن أقول: إن الحاجة تكون ماسة إلى تربية أزكى وفقه أوسع وتخليص للدين من مسالك غبية كانت تقع باسمه ٬ ومن أمراض نفسية تختفى وراء شعائره.

ولو كان المفروض أن يقود أهل الجهاد والعلم والدراية والتوجيه لوجد من هؤلاء كثير.. لكن أصحاب هذه المؤهلات معروفون يتحدث الناس إليهم ويأخذون منهم ويردون عليهم. والقائد لا يكون كذلك وما ينبغى له “!” وإنما ينبغى أن يكون شيئا تشرئب إليه الأعناق ٬ وتخشع عنده النفوس… أجل… ينبغى أن يكون صنما حتى يأمر فيطاع ٬ ويأتى إليه الأشياع ليتمسحوا به ويطوفوا حوله. وعقدة الضعة تجعل صاحبها لا يكتفى بتخطى من هم أكفأ منه ٬ بل إنه يسعد بتحطيمهم ٬ ويسر إذ يقدر على إقصائهم وإطفائهم. وبنظرتنا إلى هذا الخلل الفظيع فى مقاييس الخير ٬ سنجد أننا سوف نحرم من رعاية الله أبدا بتقريره.. وخاصة أن الشبان اضطربت أفكارهم وأحكامهم حتى خيل إلى

بعضهم أن يزن الأمور بمدى رضاء القائد ومدى الولاء له!! أما الخطأ والصواب ٬ أما العقم والإنتاج ٬ أما النكوص والشجاعة ٬ بل قل: أما العلم والجهل.. فتلك أمور لا يلتفت إليها فى تقديم وتأخير… وعفاء على أمة تستقر فيها تلك المهازل.. إن البقاء فيها مضيعة للوقت ومنقصة للدين!

أأشقى به غرسا؟ وأجنيه ذلة؟ إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما!! ولكنى مرة أخرى  أرجع اللوم على القطيع المسير. إن حسن النية لا يشفع فى الاستجابة لأصحاب الأهواء. وقد نعى القرآن على قوم أغلقوا عقولهم على رأى فلم يفهموا سواه ولم يفكروا فيما عداه زاعمين أن الخير فيه وحده فقال فيهم: ` قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا` .

 يجب ألا نأخذ رأينا كقضية مسلمة ٬ ولا أن نقبل كلام غيرنا دون مناقشة وتدبر ٬ بل يجب أن نبحث عن الحق ٬ ونجتهد فى الوصول إليه ٬ فإذا عرفناه عرفنا الرجال على ضوئه وصادقناهم أو خاصمناهم على أساسه. إن المسلم الصادق هو الذي يعرف الرجال بالحق. أما أولئك الذين يعرفون الحق بالرجال ويثقون فى أي كلام يلقى إليهم لأنه صادر عن فلان أو فلان ٬ فهم أبعد الناس من فهم الإسلام ٬ بل هم آخر من يقدم للإسلام خيرا أو يحرز له نصرا… وافقه أيها المسلم كلمة الإمام مالك بن أنس: ` كل امرئ يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا المقام` “يعنى رسول الله ٬ صلى الله عليه وسلم”.

فقضية الدعوة هى التى تعنينا. هل ستترك الأيدى الخفية تلعب بزمام الحركة الإسلامية الكبيرة وتشل نشاطها فى ميادين الحياة؟ هل من الضرورى أن يحمل الإسلام أوزار قيادات واهنة ٬ تستر ضعفها بالاستبداد ٬ ونكوصها بالمكر السيئ؟ ولحساب من هذا؟ إن شرف الدعوة العظيمة فى أنها صدى للإسلام ٬ وصورة كاملة لتعاليمه الراشدة .فاعلم أن الإسلام بنى على الوضوح والثقة والتعقل. `ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين` `إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون`. فارفض الغموض فى رسالتك واحذر قبول الريبة باسم السمع والطاعة. فالطاعة فى المعروف ٬ والرسول  صلى الله عليه وسلم  يقول: ` دع ما يريبك إلى ما لا يريبك`. ولا تتعصب إلا لما تعقل وتؤمن ٬ فإن التسليم للأوهام بعض الطقوس الماسونية فى هذا العصر ٬ وبعض طقوس الكنيسة فى العصور الوسطى المظلمة. أما الإسلام فبريء من هذه المسالك المحدثة.

 إن القيادات مسئولة  من قبل ومن بعد  عن الخسائر التى أصابت الحركة الإسلامية فى هذا العصر ٬ وعن التهم الشنيعة التى توجه للإسلام من خصومه المتربصين ٬ فقد صورته على أنه نزوات فرد متحكم ٬ كما صورت الهيئات الإسلامية وكأنها تسودها الدسائس وتسيرها الأهواء.

وسوف نبقى ندفع عن الإسلام شرور أعدائه السافرين والدخلاء حتى تنجلى الغمة ويفرح المؤمنون بنصر الله. نعلم أن الإسلام أول أمره اشتبك مع اليهود فى حرب ضروس ٬ لم تضع أوزارها حتى انكسرت شوكتهم وكتب عليهم الجلاء ٬ فاختفت جماعتهم من جزيرة العرب واضمحلت قواهم أمام امتداد الإسلام فى المشارق والمغارب. لكن اليهود الذين منوا بالهزيمة التامة فى ميدان القتال.. وأعجزهم عن أن يصيبوه  بأقل أذى فى ساحة مكشوفة واضحة.. انفلتوا يكيدون له فى ميدان آخر فاستطاعوا أن يلحقوا به متاعب جمة.. ما زال من أربعة عشر قرنا مضت يعالج جراحها إلى اليوم..! دسوا وسط الجماعة المسلمة من يؤرث نار الفتنة ويلبس على المسلمين أمر دينهم ودنياهم ٬ فإذا الفكر الإسلامى تشوبه الخرافة ٬ وإذا الإسرائيليات تمتزج بمنابع ثقافتنا وتغزو عقول العوام وتعوج بسير الإسلام وسط أهله أنفسهم! فكيف يستقيم سيره  بعد  بين الناس؟ ومعنى ذلك أن اليهود ثأروا لأنفسهم من الهزيمة التى أدركتهم ٬ وإن كان علماء الدين ونفذة الشريعة لم يستكينوا لهذا البلاء ٬ وبذلوا جهودا كبيرة فى فضح هذه الإسرائيليات وتخليص لباب الإسلام الحق من تلك المحدثات التى اعترته.

إن الحقيقة العليا فى هذا الدين يجب ألا يشوب صفاءها كدر ٬ وسواء انتصرت أو انهزمت فلا يجوز أن يتطرق إليها زيادة أو نقصان أو تحريف. إن اجتياح “التتار” لبلاد الإسلام وطيها لراية الخلافة فى بغداد ٬ وتقتيلها ما قتلت من السادة والرعاع ٬ إن ذلك المصاب أهون فى وقعه وأثره من شيوع مذهب المرجئة بين عوام المسلمين وظنهم أن الأعمال ليست ضرورة لصحة الإيمان.

وعندما أنهض الإسلام جماعة الإخوان فى مصر كيما ينصفوا مبادئه ويذودوا عن حماه تنضرت وجوه كثيرة ٬ وسرت حرارة الأمل فى أوصال المؤمنين ٬ وتمشت إلى جانبها رعدة الخوف فى قلوب الفساق والظالمين ٬ وسارت الدعوة تطوى المراحل البعيدة وهى تمر مر السحاب. وشرفها الذى تباهى به الأولين والآخرين أنها تتأثر بصاحب الرسالة العظمى  صلوات الله عليه وسلامه  وتقبس من سناه. ثم جاءت المحنة الكبرى فقتل حسن البنا جهرة لا اغتيالا ٬ واقتيد خيرة إخوانه إلى المنافى والسجون ٬ وظل الإرهاب المسلط يجرعهم الغصص! ويتوقع منهم الفتنة حتى جاء نصر الله ٬ فانجابت الغمة وعادوا أحرارا. أرأيت؟ كان شرف الدعوة التى قادها المسلمون أنها خطر على الإقطاع الزراعى والافتيات الرأسمالى والاستبداد السياسى ٬ لأنها صدى الإسلام الصحيح ٬ والإسلام الصحيح لا يبقى حيث تسود وتتوكل هذه المفاسد الشائنة. غير أن حفنة من الملتحقين بالركب الإسلامى شاءت أن تعكر هذا كله ٬ وأن تجعل حصاد ربع قرن هشيما تذروه الرياح.

 مَن ذا ينكر أن معرفة الله أساس الدين؟ وأن صلاح القلب ملاك الأدب؟ ولكن إذا كنت متدينا وجاءك الغريم يتقاضاك حقه ٬ فما معنى أن تلويه عن غرضه بمحاضرة طويلة عن التصوف والزهد؟ إذا كانت للباطل صورة سمجة ٬ أفتظن للحق الذى يراد به باطل صورة مستحبة؟ فى بعض الأقطار التى تدين

بالإسلام لا تزال نظم الحكم أسوأ ما عرف العالم ٬ فالفرعونية الحاكمة والقارونية الكانزة كلتاهما تنشب مخالبها فى عنق الشعب العانى المهيض.. وفى أيام قريبة ذهب داعية كبير إلى هذه البلاد ٬ واجتمع الناس حوله يستمعون منه الحكمة وفصل الخطاب. واجتمع الجياع الحفاة يسمعون صوت الإسلام من الرجل المرموق “!” فإذا بمحاضرة تستغرق الساعتين عن.. غزوة الحديبية. ووقف الخطيب فى المحراب ليتملق حكام البلد المحروب ويزجى لهم الثناء ويوزع عليهم البسمات. وفى هذه المحاريب خسر الإسلام معارك ميسورة النجاح لأن الذى يحارب الظلم الاجتماعى والاستبداد السياسى رجل متكبر طائش يعيش فى محراب نفسه!! أما الذين هادنوا الظلم وساروا فى ركب الملوك ٬ وحملت أبدانهم وبطونهم من هدايا القصور السادرة ٬ فهم أهل المحاريب الطاهرة… وحسبى أن أنصح المسلمين بكلمات موجزة. إنه لا قيمة لحياة أشخاص أو مماتهم ٬ ولا لبقائهم أو ذهابهم إذا ظللتم أنتم أيها المسلمون أوفياء للدين الذى قمتم على دعوته واستمددتم وجاهتكم عند الله والناس من العمل به والجهاد له.

ودينكم بإزاء الفرد علم وتربية ٬ فاحذروا على أنفسكم الجهال بالإسلام والفساق عن أمر الله ٬ وأيقنوا بأن الله لا ينزل نصره على متجر بدينه إذا خلا بحرمة لله سطا عليها. ودينكم بإزاء المجتمع أخوة ووحدة. وتلك معان مستغربة فى دنيا الإقطاع والاستبداد حيث تظالم الطبقات ودسائس السادة والعبيد ٬ فاحذروا على صفوفكم أذناب العهد البائد. احذروا الرجال الذين أذعنوا للعبودية يوم نشرت ظلامها فى الآفاق ٬ ونكصوا على أعقابهم ضائقين يوم بدت طلائع النور الخافت.. لأنهم خفافيش.. خفافيش للأسف تزعم أنها وحدها صاحبة الحق فى الكلام عن الإسلام.

ودينكم بإزاء الدولة عدالة ٬ سبيلها الحكم بما أنزل الله. والرجل الذى يأبى الحكم بما أنزل الله فى خاصة نفسه وفى حدود إخوانه الأقربين لا يتصور منه أن يحكم بما أنزل الله بين الناس ٬ وسيكذبه العالم كله يوم يزعم ذلك. فاحذروا على كيانكم هذا التطاول الذى إذا كره طارد العلماء المجاهدين ٬ وإذا رضى قرب المداهنين والقاعدين ٬ ثم ادعى بعد ذلك أنه يحكم بما أنزل الله. انسوا الأشخاص واذكروا دعوتكم على ضوء الإسلام وحده.

إن العابثين بحقائق الإسلام الكبرى لهم مطامع لم تنته بعد. ومرة أخرى أقول لكم: إن الإسلام يحتاج إلى الهمم البعيدة والمشاعر الحية النابضة ٬ فاحذروا الرجال الذين سقطت همتهم وبردت عاطفتهم وفرضوا موات أنفسهم على دين قام من نشأته بحب المحقين وبغض المبطلين. فالمتأمل يرى أنه من الواجب قمع الغرور الذى يستولى على أغلب العاملين فى البيئات الدينية ٬ فيشط بهم بعيدا عن مرضاة الله وعن إقناع العقلاء.. وانظر إلى ما روى من أن أتباع زعيم دينى فى السودان تهافتوا على تقبيل سلم عربة السكة الحديدية التى سافر فيها. وقال الشعراء فى تحيته: “أعداء ذاتك عصبة فى النار”!! إن صلف الرؤساء وهوس العوام على هذا

النحو جاهلية عمياء ٬ وليست إسلاما قط. إن كلمة “أغمض عينيك واتبعنى” لا يمكن أبدا أن يقرها دين يؤمر رسوله بهذا البيان الواضح: ` قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين`.

فلنخدم الإسلام بقوة ٬ ولنخدمه بنظام، أما إشباع نزوات الاستعلاء فى هذا ٬ وكبوات الاستخذاء فى ذاك ٬ بالكبر هنا ٬ وبالهوان هناك ٬ فأبعد ساحة عنه ٬ ساحة يهتف فيها باسم الله ويفرض فيها العمل للإسلام. فى أعقاب الفتن المشئومة التى تنال من كيان الأمة ٬ مر الإسلام بمحنة قاسية وعوت تيارات الغزو الثقافى تريد أن تعصف ببقايا الإيمان ٬ وأن تفض كل مجامعه ٬ شرعت أنافح عن بقايا نهضة كان الأمل فيها متألق السنا ولكنها عن غرو أو قصور تعرضت لما تعرضت له.

 ونظرت فإذا وجه الحياة دميم ٬ وملامح المجتمع منكرة ٬ وأزمة الإيمان طاحنة ٬ وتذكرت قول أم المؤمنين عائشة: ذهب الذين يعاش فى أكنافهم وبقيت فى خلف كجلد الأجربِ قلت: إننى ما أحسن الحياة إلا بدينى ولدينى ٬ فماذا أصنع بإقرار هذه الوحشة السائدة والفتنة العمياء؟؟ وتذكرت عويف بن معاوية الفزارى وكان قد زوج أخته من عيينة بن أسماء الفزارى صديقه الحميم ٬ إلا أن عيينة لغير ما سبب معروف طلقها. فغضب عويف ٬ وقال: الحرة لا تطلق لغير ما بأس!! وعاش بعد مراغما لعيينة.

 ومضت الأيام وأمر الحجاج باعتقال عيينة وحبسه ووضع القيود فى يده. فلما بلغ الخبر عويفا هاجت فى نفسه ذكريات الود القديم وقال: ذهب الرقاد فما يحس رقادُ مما شجاك ٬ ونامت العوادُ خبر أتانى من عيينة موجع كادت عليه تصدع الأكباد بلغ النفود بلاؤه فكأننا موتى ٬ وفينا الروح والأجساد لما أتانى عن عيينة أنه أمسى عليه تظاهر الأقياد! نحلت له نفسى النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد وذكرت: أى فتى يسد مكانه بالرفد حين تقاصر الأرفاد؟ أم من يهين لنا كرائم ماله ولنا إذا عدنا إليه معاد؟ ووقفت عند بيت فى هذه القصيدة أردده كثيرا ٬ وأظن أن الراوى حذف من قبله ومن بعده أبياتا تتصل بموضوعه. فى هذا البيت يقول الشاعر: يرجون عثرة جدنا ولو أنهم لا يتقون بنا المكاره بادوا وهو يعنى خصومه وخصوم صهره المعتقل الذى تظاهرت عليه القيود. يقول: إنهم يتربصون بنا الدوائر ٬ ونحن الذين ندفع عنهم السوء ٬ ولولا بطولتنا لبادوا..! والواقع أن الأمم قديما وحديثا تعتمد

على أصحاب العقائد فى رد الحوادث السنود ٬ فإعلان حرب الاستئصال عليهم لون من الانتحار. والأخطاء لا تحارب بالخطايا. ولعن الله من يبنى مجده على أشلاء العباد!!

محمد الغزالي : الاستبداد السياسى 2-3

ونحن نعرف أن بعض الناس لا يحسن التفكير العام ٬ وقد تضم إلى ذلك أنه لو ترك لكل امرئ الحق فى مناقشة ما يكلف به لتسربت الفوضى إلى شئون الحكومات والشعوب. وهذا حق ٬ ولكنه لا يصادم ما نحن بصدد تقريره ٬ أن هناك فرائض لا يجوز خدشها ومحرمات لا تمكن استباحتها ٬ وشئونا أخرى هى مجال للأخذ والرد وتفاوت التقدير. وهذه لا يملك البت فيها واحد برأسه ٬ وإنما يرفع الخلاف فيها أصحاب الحل والعقد وأهل الشورى. فإذا مرت بمرتبة البحث والعرض ٬ فلكل ذى رأى أن يظهره وأن يدافع عنه غير منكور ولا محقور. حتى إذا تمخض الدرس والنقد عن الرأى الذى استقر عليه الإجماع أو جنحت إليه الكثرة ٬ لم يبق مكان لتردد أو ارتياب أو اعتراض.

والحكومات المعاصرة  على اختلاف مذاهبها  تحترم هذه القاعدة. ولعل هذا سر الإفراد والجمع فى الآية: `أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ` فالإله واحد والرسول واحد. أما `وأولي الأمر منكم ` فهو كثير ٬ وما يقرونه  جماعتهم أو أغلبهم  فهو محل احترام العامة. وليس ذلك الذى أقره الإسلام فى سياسة أمته بدعا تفرد به ٬ فإن أمما أخرى أقرت مثله من قبل ومن بعد ذلك ٬ وليس كل من غلب على حكم بلد ما يسمى ولى أمر فيه ٬ تقرن طاعته بطاعة الله ورسوله. فكم أرمق قرونا من تاريخ الإسلام الرحب وبقاعا من وطنه الكبير فلا أجد ظلا لولاية صحيحة..! كما أن الشئون التى يعالجها الولاة الموثقون تتفاوت فى موضوعها تفاوتا كبيرا فشئون الدنيا غير شئون الدين. وشئون الدين نفسه ليست سواء ٬ فالأصول غير الفروع ٬ والنظرى غير العملى. فقد يختلف أولو الأمر فى بناء جسر أو تعلية خزان ٬ وقد نختلف فى ذلك معهم لا صلة لهذا الخلاف بطاعة أو معصية. وقد يختلفون ونختلف معهم فى فقه الصلاة ويلتزم كل منا وجهة نظره… ولا وزن هنا لخطأ أو صواب


وقد تكلم العلماء فيمن يسمون أولى الأمر شرعا ٬ والشئون التى ترى طاعتهم فيها دينا ٬ ورفعوا الغموض عن كليهما. ولقد عجبت لخلاف وقع بين شباب من المسلمين أثاره بعضهم بتشاؤم هو: نحن جماعة المسلمين ٬ أم نحن جماعة من المسلمين؟

والإجابة على هذا السؤال لها نتائج ذات بال. بل نتائج ترتبط بها صيانة دماء وأموال! فإن الذين يحسبون أنفسهم جماعة المسلمين يرون مخالفة قائدهم ضربا من مخالفة الله ورسوله ٬ وطريقا ممهدة إلى النار وبئس القرار! إلا أننى عز على أن يلعب بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة ٬ وأن تتجدد سياسة الخوارج مرة أخرى ٬ فيلعن أهل الإيمان ويترك أهل الطغيان. وبم؟ باسم أن القائد وبطانته هم وحدهم أولو الأمر! وأن لهم حق السمع والطاعة؟ وأن الخارج عليهم يصدق فيه قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : `من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر ٬ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية` وقوله: `من خلع يدا من طاعة لقى الله لا حجة له ٬ ومن مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية`.

وهذه الأحاديث وأمثالها وردت فى منع الفتوق الجسيمة التى يحدثها الشاغبون على الدولة ٬ الخارجون على الحكام. وقد عانى المسلمون وعانت خلافتهم الكبرى أقسى الآلام من ثورات الحانقين والناقمين ٬ وربما كان سقوط الحكم الإسلامى فى الأرض بسبب هذه الانتفاضات الهائلة… بيد أن تعليم هذا الجنون كان أسلوب تربية وتجميع عند بعض الناس!! أن يقال: إن الولاء للقيادة يكفر السيئات ٬ وإن الخروج عن الجماعة يمحق الفضائل ٬ أى إسلام هذا؟ ومَن مِن علماء الأولين والآخرين أفتى بهذا اللغو؟ وكيف تلبسون الدين هذا الزى المنكر؟ وهيهات ٬ فقد تغلغل هذا الضلال فى نفوس الناشئة حتى سأل بعضهم: هل يظن المسلم نفسه مسلما بعدما خرج من صفوف الجماعة؟ ولنفرض أن رئيس الجماعة هو أمير المؤمنين وأن له حقوق الخليفة الأعظم “!” فهل هذا يؤتيه على أتباعه حق الطاعة العمياء؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤت هذا الحق! ففى بيعة النساء يقول الله له: `..ولا يعصينك في معروف`!. وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: ` قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : `السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ٬ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة`.

وروى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس فى ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه ٬ فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه ٬ ومنا من ينتضل ٬ ومنا من هو فى جشرة ٬ إذ نادى رسول الله: `الصلاة جامعة` فاجتمعنا إلى رسول الله فقال: `إنه لم يكن نبى من قبلى إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ٬ وينذرهم شر ما يعلمه لهم ٬ وإن هذه الأمة جعلت عافيتها فى أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها ٬ وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتى ٬ ثم تنكشف ٬ وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه ٬ هذه!… فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ٬ وليأت إلى الناس الذى يحب أن يؤتى إليه. ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده ٬ وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر`!…

قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك بالله ٬ أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبى. فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا ٬ والله تعالى يقول: `يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما`. قال: فسكت ساعة لحظةثم قال: أطعه فى طاعة الله ٬ واعصه فى معصية الله… سياق الحديث كما ترى فى توفير الأمن لحكم قائم ٬ وخليفة مبايع ٬ ومع ذلك فإن عبد الله رأى التمرد على الحاكم فريضة إذا أمر بمعصية ٬ فكيف بالتمرد على رجل من سوقة الناس منح نفسه أو منحه أشياعه سلطانا موهوما! على أن من الإنصاف لتعاليم الإسلام ونحن بصدد الكلام عن تغيير الحكام أن نذكر القاعدة القائلة: إذا كان تغيير المنكر يؤدى إلى مفسدة أعظم ٬ فالإبقاء عديه أولى ٬ وذلك مصداق قوله تعالى: `واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب` . والواقع أن الزلازل التى تتبع إسقاط الحكومات قسرا بعيدة المدى.

ومن ثم لم يرض الإسلام أن يشهر السيف فى وجه حاكم إلا أمام ضرورات ملجئة أبانها هو ولم يترك بيانها لتقدير أحد. بل إنه حبب إلى المؤمن التضحية ببعض حقوقه الخاصة إشاعة للاستقرار فى أنحاء البلاد ٬ وإغلاقا لمنافذ الفتن. فعن عبادة بن الصامت قال: `بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا ٬ وألا ننازع الأمر أهله أى نطلب الحكم من ولاته إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان. وإننى لأمقت أن أكون داعية لحاكم ما ٬ وأستعيذ بالله من أن أعين بكلمة على بقاء والٍ جائر. غاية ما أبغى أن أشرح قانون السمع والطاعة وأن أمنع الكهان والدجالين من الاحتيال به على ناشئة قليلة الفقه فى الإسلام. إن تغيير حاكم شئ والانصراف عن واعظ غير موفق شئ آخر.

لقد كان الراسخون فى العلم يدعون إلى الله ويتجردون للدعوة ٬ فكان الناس يرون طاعتهم من طاعة الله لأنهم تلقوا دروس معرفته عنهم. ثم جاء الراسخون فى الجهل يطلبون حقوق القيادة ٬ ويتحدثون عن قانون السمع والطاعة ٬ ولست أعنف دعيا من هؤلاء على مزاعمه ومطالبه. فالأمر كما قيل: `بعض الناس طغاة لأننا نركع لهم`. 2 القول بعصمة الأئمة غير معروف بين جمهور المسلمين من أهل السنة. فمذهبهم أن القائد أو الحاكم يجئ من أى طبقة ٬ وأنه فى موضعه العالى من تصريف الأمور يجوز عليه أن يخطئ وأن يصيب. وأن نصحه إذا أخطأ كمؤازرته إذا أصاب واجب على الأمة. بل إن أهل السنة يرون أن النبى صلى الله عليه وسلم ٬ على جلالته قد يخطئ فيما لم ينزل به وحى… ولكن الإرشاد الأعلى يستدرك عليه ويوجه اجتهاده إلى الصواب الذى فاته.

أما الشيعة فهم يحصرون الخلافة فى الأسرة النبوية ٬ ويقولون بتقديس من يتولى منهم شئون المسلمين. ولست فقيها فى مذهب الشيعة.. ورأيى أن الخلاف فى سياسة الحكم عندنا معشر المسلمين  سياسى لا عقدى ٬ وأن أركان الإسلام تظلم عندما يقحم عليها هذا الخلاف الذى بدأ تافها ثم استفحل مذ خالطته شهوات الدنيا! وأريد أن أعرض هنا المسألة “عصمة أو تقديس القيادة”.. فإن القول بعصمة واحد من هؤلاء هو عندى خرافة كبيرة. ومن السخف أن يطالب عاقل بتصديق هذا الزعم سواء تبجح به رئيس أو هرف به مرءوس. وربما كان الضغط الذى صادفه التشيع أول أمره سر انتشار هذه الكلمة ٬ فقد استبد الأمويون والعباسيون بالحكم دهرا طويلا ٬ وضيقوا الخناق على معارضيهم حتى جعلوهم يحيون فى جو من الوجل والتوجس. والأحزاب المناوئة للحاكم عندما تفقد نعمة العلانية فى التنفيس عن رغباتها ٬ والإبانة عن مقاصدها وغاياتها ٬ لا ترى بدا من جمع فلولها فى الظلام ونشر تعاليمها فى شكل رسائل أو منشورات مقتضبة حاسمة..

وقد كان طلاب الخلافة من ذرية على يعيشون فى هذا الخفاء المسحور ٬ وينالون من الحب بقدر ما يناله الحاكم من سخط. وربما كان بعضهم أعف نفسا وأصدق قيلا من أمراء أمية والعباس فهو يرى فى مناوشته الحاكم وإسقاطه خدمة للإسلام قبل أن يكون خدمة لنفسه… والوسيلة الوحيدة هى المقاومة السرية ٬ حيث يتلقى الأتباع الأوامر الصادرة من فوق على أنها نصوص واجبة الطاعة ٬ لا مجال ألبتة لمناقشتها أو التملص منها. لا.. إن شيئا من هذا لا يجول بخاطر واحد من الأتباع! فإن تنفيذ هذه الأوامر دين تقبل عليه النفس بلذة وشغف ٬ ولو كانت عقباه العطوب..! وفى هذه الدائرة المغلقة تتحول الثقة فى القيادة إلى قول بعصمة الأئمة… ذلك أن مرور الزمن على هذا الكبت يحور الصلة بين الأتباع المضطهدين وسادتهم المختفين حتى تنتهى إلى هذا المصير. وخطورة هذا الضرب من المعارضة المستخفية أنه البيئة الخصبة لنمو الأوهام والأساطير. وأظن أن الفرق الكثيرة التى نهشت جوهر الإسلام  من باطنية وقرامطة وغيرهم  لم تتولد إلا فى هذه البيئة. إن الأوامر التى يصدرها أشخاص فقدوا قوة العمل فى النور قلما تخضع لتمحيص المنطق وتحقيق الشورى. حتى بعد أن تواتيهم السلطة ويقيموا حكما يرعى أمور الناس فى وضح النهار.. وهكذا ينتقل مبدأ تقديس الزعامة من صفوف المعارضة إلى صفوف الحكم نفسه ٬ والإسلام برىء من هذا كله. وقد رأيت جمعا غفيرا من شباب المسلمين ينظرون إلى قائدهم نظرة يجب أن تدرس وأن تحذر. قال أحدهم: إن القائد لا يخطئ. ومع أن كلمة `القائد لا يخطئ ` وجدت امتعاضا من السامعين ٬ إلا أنه امتعاض المذنب عندما يواجه بجريرة لا يجد منها فكاكا.. ويكره أن تلتصق به ٬ لظهور معرتها. والقوم يخلطون بين توقير القائد وتوفير المهابة له.. وبين الخنوع لرأيه والمسارعة فى هواه.

لقد قال قائل: `إن الإيمان بالقائد جزء من الإيمان بالدعوة`. ثم أضاف: `ألا ترى أن الله ضم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بذاته جل شأنه؟ ذلك أن المظهر العملى للطاعة والأسوة هو فى اتباع القائد اتباعا مطلقا…!! ثم استدرك القائل: `لا أعنى بهذا أن أسوى بين القائد والرسول فى حقيقة الطاعة ٬ إنما أقصد دعم مشاعر الولاء نحو القائد ٬ فأنا أضرب مثلا فحسب`…!! إن نفرا من العباقرة ظهروا فى ألمانيا وإيطاليا ومصر والهند أوتوا من المواهب الخارقة ما جرفوا به جماهير العامة واستهووا به الخاصة. وكانت آراؤهم تعصف بما عداها وأشخاصهم تطوى الأصدقاء وتكسح الخصوم. وهؤلاء الزعماء الكبار لا تضبط صلاتهم بأتباعهم على هذا النحو تعاليم الإسلام ٬ فلا هم عرفوها ولا هم تقيدوا بها. إن الأقدار قد تسلح بعض الناس بقوى أشبه بقوى القاطرة التى تجر وراءها ألف عربة ٬

وإذا كانت شعوب بأسرها يطريها الإعجاب بقائد ما ٬ فتنشق حناجرها بالهتاف له ٬ وتملكها عقلية القطيع فى السير وراءه ٬ فذاك أمر يصح أن تدرس علله ونتائجه على ضوء التاريخ القديم والحديث. أما الشىء الذى تحار البرية فيه فهو إطباق قبيل من الناس على تقديس شخص ليس لديه ذرة من الخصائص العبقرية.

محمد الغزالي : الاستبداد السياسى 1-3

 إن الاستبداد السياسى داء دوى ٬ وليس أسوأ منه إلا تجاهل أثره والتعامى عن خطره! وللشورى مفهوم غامض عند بعض المتحدثين الإسلاميين ٬ ومفهوم مضاد لحقيقتها عند بعض آخر ٬ ولو وقع زمام الأمور فى أيديهم لأعادوا حكم الملك الغورى فى القاهرة ٬ أو السلطان مراد فى الآستانة. وأحدهم ذكاء من يعيد السلطة لصاحب الكلمة الفاجرة: “`أمير المؤمنين` هذا ٬ فإن هلك فهذا ٬ فمن أبى فهذا”  مشيرا إلى سيفه!! وهذه الميوعة فى مفهوم الشورى الإسلامية لا تزيد المسلمين إلا خبالا وفوضى.. وسببها قلة الفقهاء أو انعدامهم فى ميدان الدعوة ٬ وازدحام هذا الميدان بذوى المعلومات الكاسدة أو التجارب القليلة أو الحماس الأجوف.. إن المفروض فى الشورى أن تقى الأمة سيئات شتى.. منها إعجاب الغبى برأيه ٬ ورغبته فى فرضه على الناس وقديما قيل: من البلاء أن يكون الرأى لمن يملكه لا لمن يبصره ٬ وقد نفذ هذا فرعون عندما قال لقومه: `ما أريكم إلا ما أرى`.

ومنها أن المستبدين يضعون أنفسهم فوق المسئولية ٬ إنهم يخطئون الخطأ الرهيب ٬ فإذا افتضحوا كان غيرهم غالبا كبش الفداء ٬ والشورى إذا لم تق الأمة هذا البلاء فلا معنى لها. إن كل المصائب التى تحيق بالعرب الآن سببها هزيمتهم سنة ٬1967 والغريب أن صانع هذه الهزيمة أو بطلها الفذ لم يوجه إليه لوم ٬ أو ينسب إليه عيب.

 والحكم الفردى عظيم المهارة فى التحريف والتزييف والنجاة من التبعات..! ومن ميزات الشورى أنها ترد الحاكم إلى حجمه الطبيعى كلما حاول الانتفاخ والتطاول ٬ والجماعات البشرية السوية ٬ فيها رجال كثيرون يوصفون بأنهم قمم. أما البيئة المنكوبة بالاستبداد فدجاج كثير وديك واحد ٬ إن ساغ التعبير!! ومقابح الاستبداد بعيدة الآماد ٬ ومع ذلك فإن بعض المتدينين مصاب بالرمد المزمن فهو لا يراها ٬ وإذا تلا نصوص الشورى فى دينه قال: ثم للحاكم أن يمضى على رأيه لا على الشورى! إن التقادم لا يسقط الإثم ولا يغير قبح الجريمة ٬ والتقاليد الرديئة لن يخفف من رداءتها أنها ميراث العصور ٬ وقد كان الاستبداد الفردى أخبث التركات التى آلت للاحقين من السابقين.

ومع تطور نظام الحكم انداحت الدائرة التى يبسط الاستبداد فيها أذاه ٬ ربما كان هذا الاستبداد لا يعدو قطعة أرض كالتى كان `كليب ` يضع عليها يده ٬ ويلقى فيها بجرو ينبح فيعلم الناس أن هذه البقعة أمست حكرا على `كليب `..!! حتى جاء هذا العصر فأصبح الاستبداد قدرة حاكم أو جهاز حكم على فرض الإلحاد قسرا وأخذ الأجيال الناشئة به طوعا أو كرها ٬ كما يفعل الشيوعيون حيث يحكمون، أو قدرة حاكم على تزوير الانتخابات العامة ٬ وجعل الكذب الوقاح عملة متداولة شائعة ٬ ينظر إليها الكبار والصغار وقلوبهم منكرة وألسنتهم معقودة. وبذلك يستقر الإفك وينهار الخلق وتمتلئ الحياة العامة بالوصوليين من أهل الجراءة وبالبرادع من أهل الزلفى!.

  وقد ملأ الحكم الفردى أغلب الأقطار قديما وكافحت شعوب عظيمة حتى نجت منه. وإن دفعت الثمن غاليا حتى استردت حريتها وكسرت قيودها.. وشهدت الإنسانية عصرا من الشورى على عهد الخلافة الراشدة ٬ كان الحاكم فيه نموذجا رفيعا للإنسان الطيب المتواضع ٬ اللين الجانب ٬ الرحيم بالناس ٬ السليم من علل التطلع والكبر ٬ الذى يرى الكبير أبا والصغير ابنا والباقين إخوة. الملتزم بقوله تعالى: `تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا` . ولم تقم للشورى يومئذ أجهزة دقيقة لأن طبيعة الحياة كانت تقوم على البساطة.. ومع ذلك فإن أرقى ما وصل إليه `الغرب` فى حضارته الإنسانية ٬ أو فى فن الحكم ٬ لم يزد عما حققته الخلافة الراشدة من أربعة عشر قرنا.. قرأت حوارا بين الرئيس كيندى الرئيس الأسبق للولايات المتحدة وبين ممثلى بعض الصحف الأمريكية ٬ قال فيه صحافى يتحرى الحقائق لأكبر زعيم فى العالم: مستر كيندى ٬ هل رحلة زوجتك إلى أوروبا على نفقتك الخاصة أم من مال الدولة..؟ وأدلى `كيندى` بما عنده دون تأفف.. وذكرت للفور حوارا مماثلا دار بين عمر بن الخطاب وسلمان الفارسى: قال سلمان لعمر بن الخطاب: نرى ثوبك طويلا سابغا وكلنا كميش الإزار ٬ ما حصل أحدنا إلا على ملبس قصير فمن أين لك هذا؟ وأحس عمر كأنه متهم باستغلال الحكم فقال: قم يا عبد الله بن عمر فحدث الناس… وقام عبد الله يقول: إن نصيب أبى من الثياب المفرقة لم يكن بغنية لأنه رجل طوال ٬ فمنحته نصيبى ليكمل حلته..! واتضح الموقف ٬ وقال سلمان: الآن قل نسمع!!..

لقد وصل الغرب إلى ما وصل إليه من حرية على جسر من الدماء والأشلاء ٬ أما العرب فإن الإسلام منحهم هذا الطراز من الحكم هدية من السماء ٬ وليتهم قدروا ما نالوا وصانوه! على أية حال إن طريقة الإسلام فى إدارة دفة الحكم هى التى جعلت الشعوب تفتح ذراعيها له ٬ لأن الحكم كان عبادة لله ٬ ولم يكن شهوة منهوم إلى العظمة ٬ أو مفتون بالسلطان.. وإدراك أن الحكم مسئولية مؤرقة هى التى جعلت الخليفة فى المدينة المنورة يعد نفسه مسئولا عن أطراف الدولة البعيدة حتى قال عمر: لو عثرت بغلة فى العراق لحسبت عمر مسئولا عنها لِمَ لَمْ يسوِّ لها الطريق… ثم جاء من رأى الحكم غنيمة تكثر فيها الأرزاق ٬ كما حكوا عن هارون الرشيد ٬ أنه رأى غيمة مارة فقال لها: أمطرى حيث شئت فسيأتينى خراجك! ثم جاء عبيد يرفلون فى النسيج الغالى ويتطلعون إلى ما هو أنعم كما قال أبو الطيب فى أحدهم: يستخشن الخز حين يلبسه وكان يبرى بظفره القلمُ!! والويل لأمة يكون الحكم فيها شهوة مريض بجنون العظمة ٬ أو شهوة مسعور باقتناء المال..! وفى ديننا نصوص كثيرة ترفض الرياسة ٬ والحرص على الإمارة ٬ وتوصى بحرمان عشاق المناصب من المناصب التى يعشقون. وفيه ترهيب من استغلال النفوذ ٬ وجعل الحكم مصيدة للثراء سواء كان ذلك للمرء أم لأقاربه.. وفيه تخويف من الظلم ٬ والاستهانة بآلام العامة ٬ وإيصاد الأبواب دون مطالبهم.

 وحسبك أن من ولى أمر عشرة من الناس جىء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه ٬ فَكَّهُ عدلُه ٬ أو أوْبَقَهُ جَورُهُ. ومع هذه الآثار الحاسمة فإن التقاتل على الإمارة كان سمة ملحوظة فى تاريخنا. ولم يكن ذلك بداهة تنافسا فى مرضاة الله وخدمة عباده ٬ بل كان تنافسا على حطام الدنيا ومتاعها المدبر!! وعانت الرسالة الإسلامية والجماهير الإسلامية من سيطرة السفهاء. وما آل إليه أمرنا فى هذا القرن من سقوط الخلافة وعبودية الأمة فى القارات كلها هو النتيجة المحتومة لذلك العوج.

 إن الاستبداد السياسى  فيما رأينا من قريب ومن بعيد  ليس عصيانا جزئيا لتعاليم الإسلام ٬ وليس إماتة لشرائع فرعية فيه ٬ بل هو إفلات من ربقته ودمار على عقيدته..! وإنى والله أشك فى إسلام عدد كبير من حكام المسلمين ٬ بل فى إسلام عدد ممن حملوا ألقابا دينية لها رنين وبريق ٬ وأعتقد أن بقاء الكفر فى الأرض ٬ والزيغ فى شتى الأفئدة ٬ يرجع إلى مسالك أولئك الذين شانوا تاريخنا ولوثوا دعوتنا ٬ وأعزوا من أذل الله وأذلوا من أعز الله… ولكى يستبين وجه الحق فيما أقول يجب أن يعرف أن كلمة التوحيد كما تعنى إفراد الله بالعبودية تعنى أيضا ما يسمى فى عصرنا بحقوق الإنسان وكرامات الشعوب. منها فَهِمَ عمرُ أن الناس يولدون أحرارا فليس لأحد حق فى أن يستعبدهم وأن البشر عبيد أمام الله وحده ٬ وسادة أمام غيره فما يسوغ أن يتلاشى وتذوب ذاته أمام إنسان مثله ٬ فكيف يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله؟ ولماذا تنشأ أوضاع يكون الولاء فيها لشخص ٬ يهاب أكثر مما يهاب الله ٬ ويرجى أكثر مما يرجى..؟ إن الاستبداد السياسي صنع هذه الأوضاع وحماها.. قبر تحت ترابها الأخوة الإنسانية والدينية فليس ثم إلا فرد يرغب ويرهب وآخرون يزدلفون ويرتقبون ٬ ومراسم غريبة لوثنيات سياسية أعقد من الوثنيات التى اختلقتها الجاهليات الأولى. أما وجه الله وحكمه ٬ فشئ يجئ فى المرتبة الثانية إن جاء… إن عبادة القصور على امتداد العصور ديانة خسيسة خلقها الحكم الفردى ٬ وزحم محاريبها بالأقزام والأفاكين.. وهى ديانة زاحمت الإسلام الحق وهزمته فى ميدان الحياة العملية وجعلت العبقريات تتوارى والإمعات تتكلم بصوت جهير!!

حدود السمع والطاعة بين الحاكم والمحكومين ـ 1ـ من أمارات الإحكام فى شئون الجماعة والدولة ٬ أن تنتقل الأوامر من الرؤساء إلى الأطراف ٬ كما ينتقل التيار من المولد الكبير إلى الأسلاك الممتدة ٬ فلا يقطع نوره خلل ولا يرد قوته قطع أو خبل. إن الجسم المعافى تستجيب أعضاؤه “للإرادة” التى تنقلها الأعصاب من الدماغ المفكر فيتحرك أو يسكن وفقها.

ولن تعجز الإرادة عن بلوغ أهدافها إلا إذا اعتل الجسم ٬ وأصيبت أجهزته بالعجز والشلل.

والمجتمع الصحيح كالجسم الصحيح يشد كيانه جهاز دقيق ويضبط أموره نظام محكم٬ وتتعاون ملكاته العليا وقواه المنفذة تعاونا وثيقا يسير به فى أداء رسالته كما تسير الساعة فى حساب الزمن. وقد وضع رسول الله “صلى الله عليه وسلم” قاعدة هذا النظام المتجاوب، وجعل القيام عليه من معالم التقوى ٬ فإنه لن يستقر حكم ولن تصان دولة إلا إذا سادتها الطاعة والنظام. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: `من أطاعنى فقد أطاع الله ٬ ومن عصانى فقد عصى الله ٬ ومن أطاع أميرى فقط أطاعنى ٬ ومن عصى أميرى فقد عصانى`.

وقال الله عز وجل: `أطيعوا الله ` أى: اتبعوا كتابه. ` وأطيعوا الرسول ` أى: خذوا بسنته. `وأولي الأمر منكم` أى: فيما كلفوكم به من أمور تخدم الكتاب والسنة.

 وطبيعة الحياة عندما فرضت خضوع الجسم للعقل إنما بنت هذا لمصلحة الجسم والعقل جميعا ٬ على أساس أن العقل يصدر عنه ما يضر الجسم أو يؤدى به إلى التهلكة. فإذا استحمق امرؤ وشرع يخلط ٬ حجرنا عليه فورا ٬ إنقاذا له من شر نفسه وإنقاذا للجماعة منه.

كذلك اطردت فطرة الله فى شئون الحياة كلها: فقوانين السمع والطاعة التى سنها الإسلام ٬ بل التى وضعتها نظم أخرى وطبقتها بصرامة ٬ لم يقصد بها إلا حفظ المصلحة العليا للجماعة ٬ فكأنما أملت بها غريزة البقاء وضرورة الحياة. ولا مجال البتة لجعلها متنفس هوى جامح أو شهوة عارضة. وعندما شرع قانون السمع والطاعة لم يفترض فى الأطراف التى تمثله إلا قيادة راشدة تنطق بالحكمة وتصدع بالحق وتأمر بالخير ٬ ثم جنود يلبون النداء، ويمنعون العوائق ويتممون الخطة.

وبذلك تنتظم دورة القانون فى الأمة كما تنتظم دورة الدم فى البدن فتستقيم الحياة وتستقر الأوضاع. أما الطاعة العمياء لا لشىء إلا لأن القائد أمر ٬ وأمره واجب الإنفاذ ٬ فذلك منكر كبير وجهالة فاحشة لا يقرها شرع ولا عقل. روى الإمام أحمد فى مسنده قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم الرجل فى شىء تبرم بسيرتهم معه فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعونى؟ فاجمعوا إلى حطبا.. ثم دعا بنار فأضرمها فيه ٬ ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها.

فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار ٬ يعني: كيف تقادون باسمه إليها.؟ لا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه. فقال لهم: ` لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا. إنما الطاعة فى المعروف `. لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا. هذا الترهيب الغليظ يستأصل جذور الطاعة العمياء من نفوس الأتباع جميعا ٬ ويجعلهم يحملقون فيما يصدر إليهم من أوامر ٬ فلا يكونون عبيدا إلا لله ولا جِثِيا إلا للحق. إنما استكبر من استكبر من الفراعنة والجبابرة لأنهم وجدوا من الرعاع من يسارع إلى إجابة أهوائهم وإطاعة نزواتهم دون بصر أو حذر فعتوا فى الأرض وعلوا علوا كبيرا… ولو أنهم عندما أصدروا أوامر يمليها الغرور وتنكرها الحكمة وجدوا من يردها عليهم ويناقشهم الحساب ٬ لتريثوا طويلا قبل أن يأمروا بباطل. والثقة خصوصا فى أهل الدين تغرس حسن الظن فيما يأتون ويذرون ٬ وتجعل المرء يتلقى توجيههم بالقبول الحسن فهو ينزل عنده مطمئنا إلى أنه يطيع فى المعروف. ونحن لا نلوم إنسانا على نقاوة صدره وليونة طبعه ٬ ولكن المؤمن لا يأذن لأحد أن يستغل هذه الصفات النبيلة فيه ليجعل منه شخصا طائش القياد ضرير العين والقلب. وفساد الأديان الأولى جاء من طراوة الأتباع فى أيدى رؤسائهم وتحولهم مع مبدأ السمع والطاعة إلى أذناب مسيرة ٬ لا فكر لها ولا رأى. روى أنه لما نزل قوله تعالى: `اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله` قال عدى بن حاتم معترضا: إنهم لم يعبدوهم ٬ فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم : `بلى ٬ إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام ٬ فاتبعوهم فتلك عبادتهم إياهم`.

 فانظر كيف غدت الاستجابة العمياء شركا ٬ وكيف استغلت الثقة لتغيير أحكام الله وإضلال عباده عن الصراط المستقيم. إن الفراعنة والأباطرة تألهوا لأنهم وجدوا جماهير تخدمهم بلا وعى. والأحبار والرهبان والبابوات تألهوا كذلك ٬ لأنهم وجدوا رعايا تمنحهم الثقة المطلقة وتلغى وجودها الأدبى أمام ما يصدرون من أحكام. والشعوب التافهة فى كل زمان ومكان هى التى تصنع المستبدين وتغريهم بالأثرة والجبروت. وقد بلغ من حمق العامة فى بعض أدوار التاريخ المصرى أن قالوا: الحماية على يد فلان خير من الاستقلال على يد فلان!… لو رشح فلان حجرا لانتخبناه… إن الحب المكين شىء واحترام الحقيقة المجردة شىء آخر. ولشعب ما أن يعشق زعيمه وأن يصوغ فيه قصائد الغزل. بيد أنه لا يسوغ أن يتطور به هذا الحب حتى يحاكم الحقائق إلى شخصه بدل أن يحاكم شخصه إلى الحقائق. ومن قديم عرف المصلحون والأئمة أن السمع والطاعة وسائل لابد منها لسير الأمور وبلوغ الغايات. ونحن لا نمارى فى المبدأ بعد ما شرحنا أصله فى صدر حديثنا ٬ وإنما نحذر من الزوائد الخطرة التى تنضاف إليه وتتوسع فيه وتقتل الحقيقة والحرية باسمه.

إن الإسلام لم يشرع قانونا ينتقص من “الاستقلال الشخصى” لأى إنسان أو يغض من “حريته الفكرية”. ألم تر إلى موقف رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وصحابته فى أسرى بدر؟ لقد استشار أصحابه ما يصنع فيهم؟ فما حاول أحدهم أن يتعرف رأيه ليتملقه بتأييده ٬ بل أدلى كل منهم بما يراه الحكم الصحيح فى القضية المعروضة وسار كل وفق طبيعته الخاصة. الحليم يعرض العفو ٬ والحازم يعرض العقاب ٬ ولا يعنينا أن نعرف هنا من أخطأ أو من أصاب. وفى السيرة شواهد شتى لما كان عليه السلف الأوائل من أصالة نظر ٬ وحرية فكر ٬ مع ما أثر عنهم من حب عميق لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  وما أخذ عليهم من مواثيق السمع والطاعة.