Thursday, January 8, 2015

محمد الغزالي : الاستبداد السياسى3-3

إن بركات الطاعة العمياء لا آخر لها ٬ وأولها أنها تصدق فى أصحابها قول القائل: لا يبلغ الأعداء من جاهلٍ ما يبلغ الجاهل من نفسِهِ وحين كان الوعى السياسى يتطلع إلى مزيد من الحريات كان بعض الناس ضعاف الإحساس بمعنى الشورى ٬ وحق قيام الأحزاب ٬ فلم يشعروا بقيمة الدساتير الضابطة إلا بعد فوات الأوان. وأستطيع أن أقول: إن الحاجة تكون ماسة إلى تربية أزكى وفقه أوسع وتخليص للدين من مسالك غبية كانت تقع باسمه ٬ ومن أمراض نفسية تختفى وراء شعائره.

ولو كان المفروض أن يقود أهل الجهاد والعلم والدراية والتوجيه لوجد من هؤلاء كثير.. لكن أصحاب هذه المؤهلات معروفون يتحدث الناس إليهم ويأخذون منهم ويردون عليهم. والقائد لا يكون كذلك وما ينبغى له “!” وإنما ينبغى أن يكون شيئا تشرئب إليه الأعناق ٬ وتخشع عنده النفوس… أجل… ينبغى أن يكون صنما حتى يأمر فيطاع ٬ ويأتى إليه الأشياع ليتمسحوا به ويطوفوا حوله. وعقدة الضعة تجعل صاحبها لا يكتفى بتخطى من هم أكفأ منه ٬ بل إنه يسعد بتحطيمهم ٬ ويسر إذ يقدر على إقصائهم وإطفائهم. وبنظرتنا إلى هذا الخلل الفظيع فى مقاييس الخير ٬ سنجد أننا سوف نحرم من رعاية الله أبدا بتقريره.. وخاصة أن الشبان اضطربت أفكارهم وأحكامهم حتى خيل إلى

بعضهم أن يزن الأمور بمدى رضاء القائد ومدى الولاء له!! أما الخطأ والصواب ٬ أما العقم والإنتاج ٬ أما النكوص والشجاعة ٬ بل قل: أما العلم والجهل.. فتلك أمور لا يلتفت إليها فى تقديم وتأخير… وعفاء على أمة تستقر فيها تلك المهازل.. إن البقاء فيها مضيعة للوقت ومنقصة للدين!

أأشقى به غرسا؟ وأجنيه ذلة؟ إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما!! ولكنى مرة أخرى  أرجع اللوم على القطيع المسير. إن حسن النية لا يشفع فى الاستجابة لأصحاب الأهواء. وقد نعى القرآن على قوم أغلقوا عقولهم على رأى فلم يفهموا سواه ولم يفكروا فيما عداه زاعمين أن الخير فيه وحده فقال فيهم: ` قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا` .

 يجب ألا نأخذ رأينا كقضية مسلمة ٬ ولا أن نقبل كلام غيرنا دون مناقشة وتدبر ٬ بل يجب أن نبحث عن الحق ٬ ونجتهد فى الوصول إليه ٬ فإذا عرفناه عرفنا الرجال على ضوئه وصادقناهم أو خاصمناهم على أساسه. إن المسلم الصادق هو الذي يعرف الرجال بالحق. أما أولئك الذين يعرفون الحق بالرجال ويثقون فى أي كلام يلقى إليهم لأنه صادر عن فلان أو فلان ٬ فهم أبعد الناس من فهم الإسلام ٬ بل هم آخر من يقدم للإسلام خيرا أو يحرز له نصرا… وافقه أيها المسلم كلمة الإمام مالك بن أنس: ` كل امرئ يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا المقام` “يعنى رسول الله ٬ صلى الله عليه وسلم”.

فقضية الدعوة هى التى تعنينا. هل ستترك الأيدى الخفية تلعب بزمام الحركة الإسلامية الكبيرة وتشل نشاطها فى ميادين الحياة؟ هل من الضرورى أن يحمل الإسلام أوزار قيادات واهنة ٬ تستر ضعفها بالاستبداد ٬ ونكوصها بالمكر السيئ؟ ولحساب من هذا؟ إن شرف الدعوة العظيمة فى أنها صدى للإسلام ٬ وصورة كاملة لتعاليمه الراشدة .فاعلم أن الإسلام بنى على الوضوح والثقة والتعقل. `ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين` `إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون`. فارفض الغموض فى رسالتك واحذر قبول الريبة باسم السمع والطاعة. فالطاعة فى المعروف ٬ والرسول  صلى الله عليه وسلم  يقول: ` دع ما يريبك إلى ما لا يريبك`. ولا تتعصب إلا لما تعقل وتؤمن ٬ فإن التسليم للأوهام بعض الطقوس الماسونية فى هذا العصر ٬ وبعض طقوس الكنيسة فى العصور الوسطى المظلمة. أما الإسلام فبريء من هذه المسالك المحدثة.

 إن القيادات مسئولة  من قبل ومن بعد  عن الخسائر التى أصابت الحركة الإسلامية فى هذا العصر ٬ وعن التهم الشنيعة التى توجه للإسلام من خصومه المتربصين ٬ فقد صورته على أنه نزوات فرد متحكم ٬ كما صورت الهيئات الإسلامية وكأنها تسودها الدسائس وتسيرها الأهواء.

وسوف نبقى ندفع عن الإسلام شرور أعدائه السافرين والدخلاء حتى تنجلى الغمة ويفرح المؤمنون بنصر الله. نعلم أن الإسلام أول أمره اشتبك مع اليهود فى حرب ضروس ٬ لم تضع أوزارها حتى انكسرت شوكتهم وكتب عليهم الجلاء ٬ فاختفت جماعتهم من جزيرة العرب واضمحلت قواهم أمام امتداد الإسلام فى المشارق والمغارب. لكن اليهود الذين منوا بالهزيمة التامة فى ميدان القتال.. وأعجزهم عن أن يصيبوه  بأقل أذى فى ساحة مكشوفة واضحة.. انفلتوا يكيدون له فى ميدان آخر فاستطاعوا أن يلحقوا به متاعب جمة.. ما زال من أربعة عشر قرنا مضت يعالج جراحها إلى اليوم..! دسوا وسط الجماعة المسلمة من يؤرث نار الفتنة ويلبس على المسلمين أمر دينهم ودنياهم ٬ فإذا الفكر الإسلامى تشوبه الخرافة ٬ وإذا الإسرائيليات تمتزج بمنابع ثقافتنا وتغزو عقول العوام وتعوج بسير الإسلام وسط أهله أنفسهم! فكيف يستقيم سيره  بعد  بين الناس؟ ومعنى ذلك أن اليهود ثأروا لأنفسهم من الهزيمة التى أدركتهم ٬ وإن كان علماء الدين ونفذة الشريعة لم يستكينوا لهذا البلاء ٬ وبذلوا جهودا كبيرة فى فضح هذه الإسرائيليات وتخليص لباب الإسلام الحق من تلك المحدثات التى اعترته.

إن الحقيقة العليا فى هذا الدين يجب ألا يشوب صفاءها كدر ٬ وسواء انتصرت أو انهزمت فلا يجوز أن يتطرق إليها زيادة أو نقصان أو تحريف. إن اجتياح “التتار” لبلاد الإسلام وطيها لراية الخلافة فى بغداد ٬ وتقتيلها ما قتلت من السادة والرعاع ٬ إن ذلك المصاب أهون فى وقعه وأثره من شيوع مذهب المرجئة بين عوام المسلمين وظنهم أن الأعمال ليست ضرورة لصحة الإيمان.

وعندما أنهض الإسلام جماعة الإخوان فى مصر كيما ينصفوا مبادئه ويذودوا عن حماه تنضرت وجوه كثيرة ٬ وسرت حرارة الأمل فى أوصال المؤمنين ٬ وتمشت إلى جانبها رعدة الخوف فى قلوب الفساق والظالمين ٬ وسارت الدعوة تطوى المراحل البعيدة وهى تمر مر السحاب. وشرفها الذى تباهى به الأولين والآخرين أنها تتأثر بصاحب الرسالة العظمى  صلوات الله عليه وسلامه  وتقبس من سناه. ثم جاءت المحنة الكبرى فقتل حسن البنا جهرة لا اغتيالا ٬ واقتيد خيرة إخوانه إلى المنافى والسجون ٬ وظل الإرهاب المسلط يجرعهم الغصص! ويتوقع منهم الفتنة حتى جاء نصر الله ٬ فانجابت الغمة وعادوا أحرارا. أرأيت؟ كان شرف الدعوة التى قادها المسلمون أنها خطر على الإقطاع الزراعى والافتيات الرأسمالى والاستبداد السياسى ٬ لأنها صدى الإسلام الصحيح ٬ والإسلام الصحيح لا يبقى حيث تسود وتتوكل هذه المفاسد الشائنة. غير أن حفنة من الملتحقين بالركب الإسلامى شاءت أن تعكر هذا كله ٬ وأن تجعل حصاد ربع قرن هشيما تذروه الرياح.

 مَن ذا ينكر أن معرفة الله أساس الدين؟ وأن صلاح القلب ملاك الأدب؟ ولكن إذا كنت متدينا وجاءك الغريم يتقاضاك حقه ٬ فما معنى أن تلويه عن غرضه بمحاضرة طويلة عن التصوف والزهد؟ إذا كانت للباطل صورة سمجة ٬ أفتظن للحق الذى يراد به باطل صورة مستحبة؟ فى بعض الأقطار التى تدين

بالإسلام لا تزال نظم الحكم أسوأ ما عرف العالم ٬ فالفرعونية الحاكمة والقارونية الكانزة كلتاهما تنشب مخالبها فى عنق الشعب العانى المهيض.. وفى أيام قريبة ذهب داعية كبير إلى هذه البلاد ٬ واجتمع الناس حوله يستمعون منه الحكمة وفصل الخطاب. واجتمع الجياع الحفاة يسمعون صوت الإسلام من الرجل المرموق “!” فإذا بمحاضرة تستغرق الساعتين عن.. غزوة الحديبية. ووقف الخطيب فى المحراب ليتملق حكام البلد المحروب ويزجى لهم الثناء ويوزع عليهم البسمات. وفى هذه المحاريب خسر الإسلام معارك ميسورة النجاح لأن الذى يحارب الظلم الاجتماعى والاستبداد السياسى رجل متكبر طائش يعيش فى محراب نفسه!! أما الذين هادنوا الظلم وساروا فى ركب الملوك ٬ وحملت أبدانهم وبطونهم من هدايا القصور السادرة ٬ فهم أهل المحاريب الطاهرة… وحسبى أن أنصح المسلمين بكلمات موجزة. إنه لا قيمة لحياة أشخاص أو مماتهم ٬ ولا لبقائهم أو ذهابهم إذا ظللتم أنتم أيها المسلمون أوفياء للدين الذى قمتم على دعوته واستمددتم وجاهتكم عند الله والناس من العمل به والجهاد له.

ودينكم بإزاء الفرد علم وتربية ٬ فاحذروا على أنفسكم الجهال بالإسلام والفساق عن أمر الله ٬ وأيقنوا بأن الله لا ينزل نصره على متجر بدينه إذا خلا بحرمة لله سطا عليها. ودينكم بإزاء المجتمع أخوة ووحدة. وتلك معان مستغربة فى دنيا الإقطاع والاستبداد حيث تظالم الطبقات ودسائس السادة والعبيد ٬ فاحذروا على صفوفكم أذناب العهد البائد. احذروا الرجال الذين أذعنوا للعبودية يوم نشرت ظلامها فى الآفاق ٬ ونكصوا على أعقابهم ضائقين يوم بدت طلائع النور الخافت.. لأنهم خفافيش.. خفافيش للأسف تزعم أنها وحدها صاحبة الحق فى الكلام عن الإسلام.

ودينكم بإزاء الدولة عدالة ٬ سبيلها الحكم بما أنزل الله. والرجل الذى يأبى الحكم بما أنزل الله فى خاصة نفسه وفى حدود إخوانه الأقربين لا يتصور منه أن يحكم بما أنزل الله بين الناس ٬ وسيكذبه العالم كله يوم يزعم ذلك. فاحذروا على كيانكم هذا التطاول الذى إذا كره طارد العلماء المجاهدين ٬ وإذا رضى قرب المداهنين والقاعدين ٬ ثم ادعى بعد ذلك أنه يحكم بما أنزل الله. انسوا الأشخاص واذكروا دعوتكم على ضوء الإسلام وحده.

إن العابثين بحقائق الإسلام الكبرى لهم مطامع لم تنته بعد. ومرة أخرى أقول لكم: إن الإسلام يحتاج إلى الهمم البعيدة والمشاعر الحية النابضة ٬ فاحذروا الرجال الذين سقطت همتهم وبردت عاطفتهم وفرضوا موات أنفسهم على دين قام من نشأته بحب المحقين وبغض المبطلين. فالمتأمل يرى أنه من الواجب قمع الغرور الذى يستولى على أغلب العاملين فى البيئات الدينية ٬ فيشط بهم بعيدا عن مرضاة الله وعن إقناع العقلاء.. وانظر إلى ما روى من أن أتباع زعيم دينى فى السودان تهافتوا على تقبيل سلم عربة السكة الحديدية التى سافر فيها. وقال الشعراء فى تحيته: “أعداء ذاتك عصبة فى النار”!! إن صلف الرؤساء وهوس العوام على هذا

النحو جاهلية عمياء ٬ وليست إسلاما قط. إن كلمة “أغمض عينيك واتبعنى” لا يمكن أبدا أن يقرها دين يؤمر رسوله بهذا البيان الواضح: ` قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين`.

فلنخدم الإسلام بقوة ٬ ولنخدمه بنظام، أما إشباع نزوات الاستعلاء فى هذا ٬ وكبوات الاستخذاء فى ذاك ٬ بالكبر هنا ٬ وبالهوان هناك ٬ فأبعد ساحة عنه ٬ ساحة يهتف فيها باسم الله ويفرض فيها العمل للإسلام. فى أعقاب الفتن المشئومة التى تنال من كيان الأمة ٬ مر الإسلام بمحنة قاسية وعوت تيارات الغزو الثقافى تريد أن تعصف ببقايا الإيمان ٬ وأن تفض كل مجامعه ٬ شرعت أنافح عن بقايا نهضة كان الأمل فيها متألق السنا ولكنها عن غرو أو قصور تعرضت لما تعرضت له.

 ونظرت فإذا وجه الحياة دميم ٬ وملامح المجتمع منكرة ٬ وأزمة الإيمان طاحنة ٬ وتذكرت قول أم المؤمنين عائشة: ذهب الذين يعاش فى أكنافهم وبقيت فى خلف كجلد الأجربِ قلت: إننى ما أحسن الحياة إلا بدينى ولدينى ٬ فماذا أصنع بإقرار هذه الوحشة السائدة والفتنة العمياء؟؟ وتذكرت عويف بن معاوية الفزارى وكان قد زوج أخته من عيينة بن أسماء الفزارى صديقه الحميم ٬ إلا أن عيينة لغير ما سبب معروف طلقها. فغضب عويف ٬ وقال: الحرة لا تطلق لغير ما بأس!! وعاش بعد مراغما لعيينة.

 ومضت الأيام وأمر الحجاج باعتقال عيينة وحبسه ووضع القيود فى يده. فلما بلغ الخبر عويفا هاجت فى نفسه ذكريات الود القديم وقال: ذهب الرقاد فما يحس رقادُ مما شجاك ٬ ونامت العوادُ خبر أتانى من عيينة موجع كادت عليه تصدع الأكباد بلغ النفود بلاؤه فكأننا موتى ٬ وفينا الروح والأجساد لما أتانى عن عيينة أنه أمسى عليه تظاهر الأقياد! نحلت له نفسى النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد وذكرت: أى فتى يسد مكانه بالرفد حين تقاصر الأرفاد؟ أم من يهين لنا كرائم ماله ولنا إذا عدنا إليه معاد؟ ووقفت عند بيت فى هذه القصيدة أردده كثيرا ٬ وأظن أن الراوى حذف من قبله ومن بعده أبياتا تتصل بموضوعه. فى هذا البيت يقول الشاعر: يرجون عثرة جدنا ولو أنهم لا يتقون بنا المكاره بادوا وهو يعنى خصومه وخصوم صهره المعتقل الذى تظاهرت عليه القيود. يقول: إنهم يتربصون بنا الدوائر ٬ ونحن الذين ندفع عنهم السوء ٬ ولولا بطولتنا لبادوا..! والواقع أن الأمم قديما وحديثا تعتمد

على أصحاب العقائد فى رد الحوادث السنود ٬ فإعلان حرب الاستئصال عليهم لون من الانتحار. والأخطاء لا تحارب بالخطايا. ولعن الله من يبنى مجده على أشلاء العباد!!

0 comments:

Post a Comment